السيد نعمة الله الجزائري
138
الأنوار النعمانية
روي عنه عليه السّلام قال إن اللّه تعالى لم يأخذ على الجهّال ان يتعلموا حتى اخذ أولا على العلماء ان يعلموهم ، فالدنيا دار مرضى إذ ليس في بطن الأرض الا ميت ولا على ظهرها الا سقيم ، ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان والعلماء أطباء والسلاطين قوام دار المرضى وكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم سلم إلى السلطان ليكف شرّه « 1 » كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده في السلاسل والأغلال ويكف شرّه عن ساءر الناس وانما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لوجوه ثلاثة : أحدها ان المريض لا يدري انه مريض ، وثانيها ان مرض الأبدان عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه ، وما بعد الموت غير مشاهد فقلت النفر عن الذنوب وان علمها مرتكبها فلذلك تراه يتكل على اللّه في مرض القلب ويجتهد في علاج مرض البدن من غير اتكال والثالث وهو الداء العضال فقد الطبيب فان الأطباء هم العلماء وقد مرضوا مرضا شديدا عجزوا عن علاجه وصارت لهم سلوة في عموم المرض حتى لا يظهر نقصانه فاضطروا إلى اغواء الخلق والأساة إليهم بما يزيدهم مرض لأن الداء المهلك هو حب الدنيا وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق فيه استنكافا من أن يقال لهم فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عم الداء وعظم الوباء وانقطع الدواء وهلك الخلق لفقد الأطباء بل اشتغل أكثر الأطباء بفنون الأغواء فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا وإذ لم يصلحوا لم يفسدوا ، وليتهم سكتوا وما نطقوا فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم في مواعضهم سوى ما يستميل قلوب الأعوام إلى الرجاء وذكر دلائل الرحمة لأن ذلك ألذ في الأسماع وأخف على الطباع ، فينصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جرأة على المعاصي ، ومزيد ثقة بفضل اللّه عز وجل ومهما كان الطبيب جاهلا أو خائنا أهلك بالدواء حيث يضعه في غير موضعه . فالرجاء والخوف دواءان ولكن لشخصين متضاديّ العلة ، اما الذي غلب عليه لخوف حتى هجر الدنيا بالكلية فينكسر صورة اسرافه في الخوف بذكر أسباب الرجاء ليعود إلى الاعتدال وكذا المصر على الذنوب المشتهي للتوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه التي سبقت يعالج أيضا بأسباب الرجاء حتى يطمع التوبة فيتوب فاما معالجة المغرور المنهمك في المعاصي بذكر أسباب الرجاء فيضاهي معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء ، وذلك من دأب الجهّال والأغبياء ، فاذن فساد الأطباء هي المعضلة التي لا تقبل الدواء أصلا أعاذنا اللّه وإياكم من الأمور المبعدة عن جناب الحق انه على ما يشاء قدير .
--> ( 1 ) كيف يكون حال الناس ولا سيما الجهال إذا صار السلاطين والقوام من أهل البدع والأهواء وصاروا من أسباب العار والشنار على الإسلام واما الأطباء فصاروا مرضى ومن أهل لدنيا كما في زماننا هذا